المعايير  المستخدمة في تحديد كتب الكتاب المقدس

The  Criteria of the Canonization of The Holy Bible

عيسى  حداد

المقدمة

            يجب علينا في المقدمة ان نُذكر نفوسنا بان الكتاب المقدس تم كتابته بشكل تدريجي. فان دارسين الكتاب المقدس يستخدموا مصطلح “الوحي التدريجي” (Progressive Revelation). والمقصود بهذا المصطلح ان البشرية لم تحصل على كل اعلانات الله متزامنة في وقت واحد، لكن الله اعطى البشر مقادير معينة من الاعلان
الالهي على مدى أكثر من تقريباً 1600 سنة. فان الله أعلن عن نفسه في الكتب ابتداءً من موسى بالاعلان له عن الكتب الخمسة المدعوة “Pentateuch” تقريباً في سنة 1445 ق.م. من المحتمل ايضاً ان الله أعلن عن سفر أيوب في عصر سابق. فان من الحتمل ان أيوب كان شخصية معاصرة لأبراهيم او سابقة لآبراهيم وذلك تقريباً سنة 2000 ق.م. وأخر كتاب كتب في العهد الجديد هو رؤيا سنة 95 م.

“الكتب القانونية”

            هنا نريد تحديد ما هي الكتب القانونية التي تم أدراكها من اليهود والكنيسة لكي تُشمل في الكتاب المقدس. لدينا في الكتاب المقدس 66 سفر – 39 في العهد القديم و27 في العهد الجديد. بالطبع شعب اسرائيل هم الذين حددوا كتب
العهد القديم. الكنيسة الكاثوليكية اضافة حوالي 7 كتب الى الكتاب المقدس والذين يُدعو الاباكرفا[1] “Apocrypha”
في مجمع تّرنت “The Council of Trent” في 8 نيسان (أبريل)، 1546. فبعد الاصلاح من مارتن لوثر (Martin Luther) قامت الكنيسة الكاثوليكية باضافة هذه الكتب كرد فعل على هذا الاصلاح الذي حدث 28
سنة سابقة. وكنيسة الروم الارثودكس اضافة حوالي 12 كتاب من كتب الاباكرفا.

            لكن يجب الملاحظة ان اليهود لم يقبلوا هذه الكتب في الكتاب المقدس. أيضاً البروتستنت لا يقبلوا هذه الكتب كجزء من الكتاب المقدس، مع ان البعض يستخدم هذه الكتب ككتب تاريخية. أيضاً الكنيسة الكاثوليكية تتكلم عن هذه الكتب كانها كتب “غير قانونية” أو “الاسفار القانونية الثانية”. هذه الكتب توجد عادةً ما بين العهدين وكتبت في الفترة ما بين سنة 200 ق.م. الى سنة 30 ق.م.

            أما بالنسبة الى كتب العهد القديم اشار اليها الرب يسوع في لوقا 24 : 44 قائلاً: “وقال لهم هذا هو الكلام الذي كلمتكم به وانا بعد معكم انه لا بد ان يتم جميع ما هو مكتوب عني في ناموس موسى والانبياء والمزامير.”
قسم اليهود الكتاب العبري (اي العهد القديم) الى ثلاثة اقسام كما قسمها الرب يسوع هنا الى: الناموس (اي الخمسة كتب الاولى)، والانبياء (يشوع، قضاة، 1 و 2 صموئيل، 1 و 2 ملوك، والانبياء الكبار والصغار)، والكتابات او احيانا تدعى المزامير (اسفارالحكمة والنشيد – المزامير، امثال، وأيوب؛ اسفار الكتاب – نشيد الانشاد، راعوث،
مراثي ارميا، الجامعة، واستير؛ الاسفار التاريخية – دانيال، عزرا، نحميا، و 1 و2 أخبار الايام). أيضاً في العهد الجديد دعيت كتب العهد القديم بكلمة الله (يوحنا 10 : 35) والكتب المقدسة (2 تيموثاوس 3: 15) مما يقترح بشكل عام انهُ هناك كتب مقبولة قانونياً من العهد الجديد.

            كتب العهد الجديد ايضاً تم ادراكهم في القرن الاولى من الرسل والكنيسة الاولى. فان بولس اشارة الى كتابات لوقا بانها مساوية الى العهد  القديم (1 تيموثاوس 5 : 18 يقتبس من لآويين 25 : 4 و لوقا 10 : 7 ويشير الى العددين بـ “كما يقول الكتاب”). أيضا بطرس اشارة الى كتابات بولس كانها من الكتاب (2 بطرس 3 : 15 – 16). الرسائل كانت تقراء في الكنائس وحتى كانت تدور بين الكنائس (قارن كولوسي 4 : 16؛ 1 تسالونيكي 5 : 27).

معايير تحديد “الكتب القانونية”

            الان سوف نتكلم عن الكتب الـ66 في كتابنا المقدس ونحدد المعايير التي دفعت الكنيسة في العصور الاولى بان تشملها في الكتاب المقدس الذي لدينا الان.

أول معيار هو، هل هذه الكتب موحى بها من الله؟

            كُتب الكتاب المقدس في العهدين يصرحوا الى انهم كتبوا من الله (على سبيل المثال، خروج 20 : 1؛ يشوع 1 : 1؛ اشعياء 2 : 1؛ 2 تيموثاوس 3: 16؛ 1 كورنثوس 2 :10 – 16؛ 2 بطرس 1: 19 – 20). فان هذه الكتب المدركة من الكنيسة في الكتاب المقدس موحى بها (2 تيموثاوس 3 : 16). كلمة “موحى” هي كلمة يونانية (Theopneustos) وهي كلمة مركبة (Theo) تعنى الله، و(pneustos) نفس او نفخة. فالكلمتين مع بعضهما البعض يعنوا “نفس الله”. فان كلمة الله هي اعلان او كلام الله. كلمة “موحى” تصف العمل المعجزي الذي قام به  الله في استخدام بشر في كتابة كتابه. فان الكتاب المقدس “ليس هو فقط كلمات بشرية، ولكنه بشكل متساوي كلمات الله، تُكلم فيه من خلال شفتاه البشر وبقلم البشر” (J.I. Packer, The Origin of the Bible, p. 13).

 

ثاني معيار هو، هل هذه الكتب موثوق بها؟

            فان الكلمة قادرة ان تحكّمنا (اي تعلمنا) طريق الخلاص (2  تيموثاوس 3 : 15). فان كلمات هذه الكتب قادرة ان ترشدنا وتعلمنا (رومية 15 : 4؛ 1  كورنثوس 10 : 6، 11). ايضاً كلمات هذه الكتب نافعة للتعليم والتوبيخ للتقويم
والتأديب الذي في البر (2 تيموثاوس 3 : 16). الكلمة ايضاً قادرة على ان تخلصنا  (يعقوب 1 : 18؛ 1 بطرس 1 : 23). كلمات هذه الكتب ايضاً تحفظنا من الخطية (مزمور  119 : 1، 11). فهي سراج لارجلنا ونور لسبيلنا (مزمور 119 : 105؛ 129 – 130).

ثالث  معيار هو، هل هذه الكتب لديها سلطان الالهي؟

            بالنسبة الى العهد القديم فان كتابات موسى تم ادراكها على  انها كتبت تحت سلطان الله (خروج 17 : 14؛ 34: 27؛ قارن يشوع 8 : 31؛ 23: 6). وبعد  موسى فان الله اقام “مؤسسة التنبؤ”[2] لكي  يستمر في اعلان نفسهُ الى شعبه (قارن لاويين 18 : 15 – 19؛ أرميا 26: 8 – 15).  الانبياء الذين تكلم اليهم الله ايضاً سجلوا اعلان الله (قارن يشوع 24: 26؛ 1  صموئيل 10 : 25؛ أشعياء 8 : 1؛ حزقيال 43 : 11). عادةً في القهد القديم الانبياء  عبارة “هكذا يقول الرب” وغيرها من العبارات[3] اشارة  الى ان هذه الكلمات هي من الله (على سبيل المثال، خروج 4 : 22؛ 1 ملوك 11 : 31؛
أشعياء 44: 6 – 8). الرب يسوع قال في متى 5 : 18 “فاني الحق أقول لكم الى ان  تزول السماء والارض لا يزول حرف واحد او نقطة واحدة من الناموس حتى يكون  الكل.” ايضاً كلمات هذه الكتب كانت كانها كلمات الروح القدس كما يقول لوقا في  أعمال الرسل 1 : 16 “أيها الرجال الاخوة كان ينبغي ان يتم هذا المكتوب الذي  سبق الروح القدس فقالهُ بفم داود عن يهوذا صار دليلاً للذين قبضوا على يسوع.”

            أما بالنسبة الى العهد الجديد بولس الرسول في 1 تسالونيكي 1  : 5 “أن انجيلنا لم يصر لكم بالكلام فقط بل بالقوة ايضاُ وبالروح القدس  وبيقين شديد كما تعرفون اي رجال كنا بينكم من اجلكم.” وفي نفس الرسالة تجاوب  التسالونيكيين لهذه الرسالة كان هكذا، “اذ تسلمتم منا كلمة خبر من الله  قبلتموها لا ككلمة اناس بل كما هي بالحقيقة ككلمة الله التي تعمل ايضاً فيكم انتم  المؤمنين…” (1 تسالونيكي 2 : 14 – 16؛ ايضا اقراء 1 كورنثوس 14 : 37؛ 2  بطرس 3 : 16؛ قارن يوحنا 14 : 26).

رابع  معيار هو، من هو المؤلف؟

            هل هو يهودي، من الكتبة او الانبياء  المعروفين، بما يخص العهد القديم؟ أما بالنسبة الى العهد الجديد، هل هو رسول او  شخص مرتبط في الرسل؟ هناك تقريباً 41 مؤلف للكتاب المقدس، 32 في العهد القديم  وتقريباً جميعهم انبياء. موسى كتب اول خمسة كتب (تكوين-لاويين). يشوع كتب كتابه.  قضاة، راعوث، 1 و2 صموئيل، 1 و 2 ملوك على الاغلب صموئيل الكاتب. 1 و 2 أخبار  الايام، عزرا، نحميا، واستير كتبوا من عزرا. أيوب من أيوب؛ المزامير من داود[4]؛  اسفار الحكمة سليمان الملك الكاتب؛ أسفار الانبياء الكبار والصغار كتبوا من النبي  الذي باسمه الكتاب. وهناك 8 مؤلفين في العهد الجديد ثلاثة منهم رسلاً: متى، بطرس،  يوحنا، والرسول بولس؛ اثنان هما أخوة يسوع في الجسد: يعقوب ويهوذا؛ واثنان كانوا  من اتباع الرسل، يوحنا مرقس الذي كتب أنجيل مرقس من بطرس، وايضاً لوقا الذي كتب  كلاً من أنجيل لوقا وأعمال الرسل على التوالي وهو كان مرتبط ببولس الرسول.

خامس  معيار هو، هل هذه الكتب مقبولة من الكنيسة؟

            الرب يسوع المسيح أشار الى كُتب العهد القديم وقسمهم الى  ثلاثة اقسام كما ذكرنا سابقاً (لوقا 24: 44). هذه التقسيمات الثلاثة شُهد لها من  جوزيفاس (Josephus)  مؤارخ تاريخي يهودي (37 – 95 م)، الكاهن ميليتو (Melito) من ساردس (170  م)، ترتليان (Tertullian)  (160 – 250 م)، واخرين ايضاً. مجمع جامنيا (Jamnia) في سنة 90م  بشكل عام يعتبر المناسبة حيث تم ادراك كتب العهد القديم كما هي لدينا الان في  الـ66 كتاب.

            أما بالنسبة الى العهد الجديد فان كلمنت من روما (Clement of Rome) – (95م)  يذكر على الأقل ثمانية كتب من العهد الجديد في  رسالة؛ أغنيطيوس من أنطاكيا (Ignatius of Antioch) – (115م) ايضا يعترف حوالي سبعة كتب؛ بالاّي كارب،  تلاميذ ليوحنا (Polycarp) – (108م) يقر على خمسة عشر رسالة. كون هؤلاء الاباء لم يشيروا الى كل الكتب لا  يعني انهم لم يعتبروا الاسفار الاخرى غير معترف فيها ولكنهم لم يشيروا اليها في  كتاباتهم فقط. لاحقاً ايريناوس (Irenaeus) كتب (185م)، مقراً في 21 كتاب. هيبوليتوس (Hippolytus) – (170-235م)
مقراً 22 كتاب. الكتب التي لم تحصل على قبول عام كانت عبرانيين، يعقوب، 2 بطرس، و 2 و 3 يوحنا.

ولكن من الاهم اكثر هو  شهادة كتاب مّرأتوريان (Muratorian Canon) – (170م)، الذي كان عبارة عن كتب مجمعة معترف فيها بانها كتب قانونية في تاريخ مبكر من الكنيسة. كتاب مّراتوريان قد شمل كل كتب العهد الجديد ما عدا عبرانيين، يعقوب، ورسالة واحدة من يوحنا.

            في القرن الرابع كان هناك اعتراف مشهور لكتب العهد الجديد.  عندما كتب أثناسيوي (Athanasius)
في سنة 367م فقد اقتبس الـ27 كتاب من كتب العهد الجديد كانها هي الكتب الحقيقية  الوحيدة. في سنة 363 مجمع لاودكية صرح بان الكتب التي يجب ان تقراء فقط في الكنيسة  هي العهد القديم والـ27 كتاب من العهد الجديد. مجمع هبوا (Council of Hippo) – (393م)  اعترف في 27 كتاب، ومجمع قرطاج (Council of Carthage) – (397م) اكد ان الكتب  القانونية هي فقط الكتب التي يجب ان تقراء في الكنائس.

 

الخاتمة

            ان الكتب الـ66 كتاب في الكتاب المقدس لدينا هم الكتب كما  راينا اعلاه المعترف بهم من الكنيسة الاولى وايضاً الاباء اللاحقين للرسل وايضاً  الكنيسة من خلال المجامع الكنسية. فان الكتب التي لدينا هي كلمات الله لدينا
وبالتالي يجب ان نطيعها ونخضع لها بشكل يومي في حياتنا.


[1]هناك حوالي خمسة عشر كتاب من كتب  الاباكرفا وهي: حكمة سليمان، الجامعة، طوبيا، 1 و2 أسدرس، 1 و 2 مكابين، يهوديث، باروخ، رسالة أرميا، الاضافة الى أستير، صلاة عزريا، أضافة الى دانيال سوزانا  (أصحاح 13) وايضاً بل والتنين (أصحاح 14) ، صلاة منسى. هذه الكتب هي كتب أدب يهودي  كتبت في فترة ما بين العهدين. كل النسخ المتوفرة لكتب الاباكرفا مكتوبة في اللغة اليونانية وليس العبرية.

[2]  “مؤسسة التنبؤ” المقصود بها ان الله اقام انبياء لكي يستمر في الاعلان عن نفسهُ من خلال نبي.

[3]  ايضا هناك عبارة “قال  الله” في تكوين 1 :3؛ خروج 3 : 14؛ 6 : 2 – 3)؛ “الله تكلم في  الانبياء” (1 ملوك 14 : 18؛ 2 صموئيل 24: 11 – 12؛ زكريا 7 : 7)؛ وايضا  “الروح القدس تكلم في الناس” (2 صموئيل 23 : 2؛ 1 ملوك 22 : 24؛ 2 أخبار  الايام 20 : 14 – 15).

[4]  لدينا ايضا مزامير كتبت من  موسى (90)، سليمان (72؛ 127)، بني قورح (42؛ 44 – 49؛ 84-85؛ 87)، بني آساف (50؛  73-83)، هيمان (88)، أيثان (89)، حزقيا (120 – 123؛ 128-130؛ 132؛ 134-136). لكن
هذه المزامير على الأغلب تم تجميعها من داود الملك.

Advertisements